http://www.avaaz.org/ar/petition/ltwqf_dwl_qTr_dmh_lHkwm_lqtl_w_ltjwy_fy_lswdn_1/?daunch
مأزق الانكسار و تصحيح المسار

مأزق الانكسار و تصحيح المسار

زين العابدين صالح عبد الرحمن

من فوائد الديمقراطية أن الحقيقة حق مشاع للراغب في الوصول إليها، و هي قيمة ليست محتكرة، و لكن لا يمكن الوصول إليها بكثرة الشعارات المطروحة في الشارع، انما أهم أداة للوصول إليها هو العقل، و الاجتهاد في استيعاب ما هو مطروح من الكل، و تقيمه باستمرار للوصول لها بقناعة و ليس بطريق التبعية. و الديمقراطية أيضا هي وسيلة للتعايش السلمي في المجتمع، و أحترام الكل لسيادة القانون. في النظم الشمولية هناك مصدر واحد يعتقد أنه يمتلك الحقيقة، لذلك تصادر كل الأراء الأخرى، و أيضا في النظم الشمولية يتقلص امتلاكها من الحزب الحاكم إلي الرئيس الحاكم. الأمر الذي يخلق حالة من عدم الرضى تصل حد لتمرد الداخلي، مما يتسبب في ضعف الروابط الداخلية للحزب، و يفشل في مواصلة قبضته بذات القوة التي بدأ بها مسيرته، الأمر الذي يعطي صلاحيات كبيرة للمؤسسات القمعية.

فالديمقراطية غير أنها تفتح منافذ عديدة لمرور الهواء النقي و تعدد الأراء. أيضا تكشف زيف الشعارات، إذا كانت تعبر عن قناعات حقيقة أم قناعات مؤقته فرضتها البيئة الشمولية، ليس فقط علي مستوى القوى السياسية أيضا من قبل الأفراد، حيث البعض كان يبشر بالديمقراطية و يتحدث بإيجابية عن قيمها و محاسنها، و أنها أفضل نظام للحكم، تجدهم بعد الحصول عليها يضجرون من الرآي المخالف رؤيتهم تماما، و يظهر ذلك في مظاهر مختلفة مكشوفة لكل صاحب بصيرة. و أخطر ما تأتي من الذين يعتقدون أنهم حملة مشاعيل التنوير و الإصلاح.

في هذا المقال نأخذ قضيتين بشكل مختصر جدا الأول مسيرة 30 يونيو. و القضية الثانية مؤتمر برلين لدعم الحكومة. إذا عرجنا إلي المسيرة  التي سوف تخرج يوم30 يونيو، نجد أن هناك خلاف عليها، رغم أن مصدرها واحد و الكل يعرف ذلك. جاء في الخبر أن لجان المقاومة و أسر الشهداء هي التي تريد خروج المسيرة، و قد نشر فيديو يتحدث فيه فرح عباس فرح الطاهر بأسم أسر الشهداء و الدعوة للخروج و يقول أنهم ليس ضد الحكومة لكنهم يخرجون تأييدا للحكومة، إذا كانت مسيرة تأييد في ظرف عصي، و هل الظرف الصحي يسمح بذلك. و بعض الكتابات علقت الأمر في صدور العسكريين و اعتقدت أنهم يريدون تمهيد الطريق لانقلاب عسكري، بمثل الذي حدث في مصر كما يقولون. و يقول رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الوحدوي  صديق أبو فواز عن المسيرة “سنخرج في الثلاثين من يونيو رافعين هتافنا وحاملين رقابنا فوق أيدينا حتى نقوم العود الأعوج و حتى نصحح مسار ثورتنا، و لا نامت أعين الجبناء” لا اعرف من هم الجبناء المقصودين هل الذين يخالفونه الرآي؟ و هل هذه لغة من سياسي يقود حزب يسميه بالديمقراطي؟ أن أول من أيد المسيرة من الأحزاب الحزب الشيوعي ثم تبعه تجمع الاتحاديين و تجمع المهنيين، و علي مضض و خجل أيدت قوى الاجماع التي تتحالف مع الحزب الشيوعي في حلف واحد. و هذه القوى المؤيدة، هي الحاضنة للحكومة و بيدها السلطة، و هي المسؤولة مسؤولية مباشرة علي تحقيق شعارات الثورة، الخلاف الذي يحدث الآن البعض لا يريد أن يفصح عن الحقيقة.

نقولها للتاريخ و دون أي مواربة للحقيقة. أن مسيرة 30 يونيو فكرة خرجت من الحزب الشيوعي السوداني، و حملها لعضويته داخل لجان المقاومة التي حاول أن يسيطر عليها نجح في استقطاب البعض، و فشلت مساعيه في استقطاب الأغلبية. و الفكرة جاءت لثلاثة أسباب. الأول شعر الحزب الشيوعي بحالة التململ في الشارع من أداء الحكومة و بطء انجازاتها، و حالة الغلاء المتصاعدة و عدم قدرة 90% من الشعب علي تحمله. و الثاني اتهام الحزب الشيوعي ما حدث من انشقاق في تجمع المهنيين. الثالث الموقف غير الواضح المؤيد للحكومة و المعارض لها في نفس الوقت، و إصداره للبيانات العديد التي تؤكد عدم وضوح الرؤية، و رفضه لتسيس الخدمة المدنية و في نفس الوقت تعين عضويته في الوظائف القيادية للخدمة المدنية. رابعا موقفه من حزب الأمة بأن له اتصالات مع الأحزاب الإسلامية و مقترحه بتوسيع دائرة المشاركة لنجاح النظام الديمقراطي. و حزب الأمة طارح رؤيته علي وضح النهار و قدمها لكل القوى السياسية. الحزب الشيوعي يتصل من خلال عضويته في جامعة الخرطوم مع الإسلاميين في الغرف المغلقة، بقيادة عضو الحزب الدكتور منتصر الطيب في جامعة الخرطوم، و يريد الحزب الشيوعي أن تأتي رؤية توسيع قاعدة المشاركة من قبل مشروع سياسي تقدمه جامعة الخرطوم، كل تلك التباينات في المواقف، رأت القيادة الاستالينية إنها تتكسر واحدة بعد الأخرى و تفضح تشكل موقف سالب ضد الحزب، لذلك خرج بفكرة المسيرة و يحملها للجان المقاومة و أسر الشهداء. و يجعلها تبريرا له إذا فشلت الحكومة في انجاز مهامها، لكي يقول للناس أنا أيدت خروج خروج الجماهير لكي تصحح مسار الثورة. للتاريخ و دون مواربة أن الفترة الانتقالية يتحكم فيها الحزب الشيوعي تحكما كاملا. إذا فشلت يتحمل مسؤولية الفشل لوحده. الحزب الشيوعي من الأحزاب العريقة التي يعول عليها كثيرا في نجاح الفترة الانتقالية، و يقدم مبادرات وطنية تخرج الناس من عنق الزجاجة، باعتباره حزبا عانى من النظم الديكتاتورية، و لديه منهج في دراسة الواقع و الاستفادة من التجارب السابقة، و محاولة لخلق بيئة مغايرة تؤدي لنجاح عملية التحول الديمقراطي، لكن ماتزال التجربة الاستالينية في مخيلتها القيادة التي تقبض علي مفاصل الحزب، و تحاول أن تعيدها في مجتمع مغاير، أن القيادات التي تقمع عضويته التي تمارس حقها في الرآي، لا اعتقد أن تكون حريصة علي ممارسته خارج الدائرة الحزبية.

معلوم للكل أن نظام الإنقاذ سقط سقوطا لا رجعة فيه، سقط سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا و أخلاقيا، و حزب المؤتمر الوطني ليس له مستقبل لأنه لم يتكون لحوجة اجتماعية و تقف وراءه قاعدة اجتماعية، و هو حزب صنع صناعة و غذي من مؤسسات الدولة، لذلك سوف يستعصى عليه أقناع الشارع برؤيته، و إذا أجرى مراجعة فكرية لن يكون ذلك الذي كان. و يجب تقديم كل عضويته التي أرتكب أعمال إجرامية و الذين مارسوا الفساد، و استغلوا وظائفهم في المنافع الخاصة. يجب محاكمتهم في محاكم تتحقق فيها كل شروط العدالة. لكن يجب أن نفرق بين أثنين المؤتمر الوطني و الحركة الإسلامية المتعددة الانتماءات، هذه قاعدة اجتماعية عريضة و لا يمكن إقصائها من المشهد السياسي مطلقا، و يجب الوقوف عند هذه القضية و معالجتها بحكمة بهدف خلق الاستقرار السياسي و الاجتماعي في البلاد، إذا كان الجميع مقتنع بعملية التحول الديمقراطي، و إذا لم تتم معالجة هذه القضية لن يكون هناك استقرارا سياسيا في السودان. و شعارات الإقصاء التي يطلقها الأيديولوجين اليسارين لا تغير في الواقع شيئا، و لكي تنجح الديمقراطية مطالب من كل القوى السياسية في السودان أن تبدأ في مراجعات فكرية تتوافق مع الحرية و الديمقراطية، إلي متى يكون السودان ضحية للتجارب الأيديولوجية يسارا و يمينا الفاشلة؟  

ننتقل لقضية دعم السودان من قبل الدول التي حضرت مؤتمر برلين، من خلال تقنية الاتصال المرئي. حيث بلغ الدعم 1.8 مليار دولار و هناك بعض الدول التي أعفت ديونها و رغم إنها الإعفاءات كانت للدول ذات الديون البسيطة، لكنها خطوة إلي الأمام. و تعهد الاتحاد الأوروبي بمساندة السودان في عملية التنمية و التحول الديمقراطي، و هذه الدول عينها علي السودان. خاصة ألمانيا و فرنسا و بريطاني و أمريكا و هي التي تمتلك رأس المال و التكنولوجيا، و في الجانب الأخر هناك دول الخليج التي تمتلك رأس المال أيضا، و هي يمكن أن توسع استثماراتها، و كانت الكويت من الدول التي لعبت دورا مقدرا في التنمية في السودان منذ العهد المايوي، خاصة في مجالات الزراعة و الصناعة. و السودان لا يستطيع أن يكون جاذبا للاستثمارات الاجنبية إلا إذا تحقق السلام و حصل الاستقرار السياسي و الاجتماعي، و محاربة الفساد بكل أشكاله، و تطوير التعليم لكي يواكب التطور الذي يحدث في التكنولوجيا. و الاهتمام الأكبر بالتعليم الفني و التقني، و فتح المعاهد الفنية التي تخرج الفنيين و العمالة الماهرة التي يحتاجها سوق العمل.

أن حكومة الفترة الانتقالية مطالبة أن تخلق الأدوات التي تساعد علي النهضة في البلاد، كان المتوقع من الحكومة أن توسع دائرة المشاركة في وضع الركائز الأساسية لمشروع نهضوي حتى إذا أنتهت الفترة الانتقالية تتبناه الحكومة المنتخبة و تستمر في أنجازه، و توسيع دائرة المشاركة إذا كان من مؤسسات أكاديمية و مراكز للدراسات و حتى خبرات خارج السودان، و تقديم هذا المشروع للدول. بدلا من حضور مؤتمر و الإكتفاء بالجلوس و انتظار تقديم دعم مادي و عيني. مثلا المطالبة من ألمانيا التوسع في مشروع المعهد الفنى لكي يكون هناك معهدا فنيا في كل أقاليم السودان.

القضية الأخر التي يجب علي الزملاء و الرفاق في الأحزاب الأيديولوجية اليسارية الاقتناع بها، أن النهضة في السودان يكتب لها النجاح إذا وجدت الدعم من قبل الدول الديمقراطية خاصة في أوروبا و الولايات المتحدة و كندا و استراليا، و هي التي تملك رأس المال و التكنولوجيا و التعليم الفني و التقني، أغلبية هذه الدول هي تتبنى اقتصاد السوق و حتى الصين الشيوعية تتبناه. و أن الاقتصاد الاشتراكي فقد مقومات وجوده، و لم يحدثنا التاريخ أن هناك دولة واحدة تبنت الاقتصاد الاشتراكي قد حققت معدلات نمو جيدة، الاقتصاد الاشتراكي قد أثبت فشله في كل الدول التي كانت قد تبنته من قبل. كما أن النخبة الأيديولوجية اليسارية في السودان لم تقدم أي اجتهادات فكرية تقنعنا أنها توصلت لنظرية اقتصادية اشتراكية يمكن تطبيقها في السودان، هؤلاء يستقون معلوماتهم من الكتب الصفراء التي كتبت في القرن التاسع عشر، و وضعتها كل الدول التي طبقته في متاحفها. رغم أن اقتصاد السوق له مشاكل، لكن هناك دراسات مستمرة اكاديميا و في مراكز الدراسات و البحوث، تعالج الخلل الذي يحدث، و تسمح بتدخل الدولة في معالجة ذلك أيضا في حدود لا تخل بحرية السوق. و هناك دول الاشتراكية الاجتماعية هي دول تتبنى النظام الرأسمالي لكنها تسمح بتدخل الدولة في بعض القطاعات، و تضمن حق التعليم و العلاج و المواصلات للعامة. لكن أن تتبنى الدولة الاقتصاد الاشتراكي غير الموجود في دول العلم الآن، هذه دغمائية تؤكد أن تحيزات حزبية لا تفيد عملية النهضة في البلاد. فالحزب الشيوعي لابد من وقفة يراجع فيها مسيرته السياسية، و في أمس الحاجة التجديد و تقديم أجيال جديدة تحمل رؤى جديدة بعد إجراء مراجعات فكرية.

القضية الأخرى و المهمة أن النهضة لا يمكن أن تنجح في أي مجتمع يعاني من عدم استقرار سياسي و اجتماعي، و فيه كثير من الحروب و النزاعات، و فيه الكثير من المهددات الأمنية، فالنخبة العاقلة في المجتمع يجب أن تصدع بقول الحق و تخرج من العباءات الحزبية الضيقة إلي الفضاء الوطني، و أن تقدم نقدها بصورة مباشرة، معلوم أن هناك الآن قوى سياسية تبث الزعر في المجتمع من خلال توزيع الاتهامات التي تطلقها علي كل من يخالفها الرآي، و هي عرفت في مسيرتها التاريخية بالحرب النفسية ” القتل المعنوي للشخصية” علي معارضيها الرأي، الأمر الذي يجعل العديد من النخب تتخوف من تقدم نقدهم خوفا من ذلك، و حتى الذين يمارسونه تجد كتاباتهم مليئة بالتبرير. هذا متوقع أن يحدث في حالة الانتقال من الشمولية إلي الديمقراطية، و هنا يأتي دور المثقفين لتصحيح الأخطاء، و تعبيد الطريق السليم لعملية التحول الديمقراطي. و نسأل الله نصرة الحق و الوطن.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *